صديق الحسيني القنوجي البخاري

477

فتح البيان في مقاصد القرآن

الصحيح ، وهو الذي قامت عليه الأدلة . وقيل توزن نفس الأعمال وإن كانت أعراضا فإن اللّه يقلبها يوم القيامة أجساما كما جاء في الخبر الصحيح « أن البقرة وآل عمران تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيابتان أو فرقان من طير صواف » وكذلك ثبت في الصحيح أنه يأتي القرآن في صورة شاب شاحب اللون ونحو ذلك . وقيل إن الوزن هو نفس الأشخاص العاملين وقيل الوزن والميزان بمعنى العدل والقضاء وذكرهما من باب ضرب المثل كما تقول هذا الكلام في وزن هذا قاله مجاهد ، وقال الزجاج : هذا شائع من جهة اللسان والأولى أن يتبع ما جاء في الأسانيد الصحاح من ذكر الميزان . قال القشيري : وقد أحسن الزجاج فيما قال إذ يحمل الصراط على الدين الحق ، والجنة والنار على ما يرد على الأرواح دون الأجساد ، والشياطين والجن على الأخلاق المذمومة ، والملائكة على القوى المحمودة ، ثم قال : وقد أجمعت الأمة في الصدر الأول على الأخذ بهذه الظواهر من غير تأويل ، وإذا أجمعوا على منع التأويل وجب الأخذ بالظاهر ، وصارت هذه الظواهر نصوصا انتهى . والحق هو القول الأول ، وأما المستبعدون لحمل هذه الظواهر على حقائقها فلم يأتوا في استبعادهم بشيء من الشرع يرجع إليه ، بل غاية ما تشبثوا به مجرد الاستبعادات العقلية ، وليس في ذلك حجة على أحد ، فهذا إذا لم تقبله عقولهم فقد قبلته عقول قوم هي أقوى من عقولهم من الصحابة والتابعين وتابعيهم حتى جاءت البدع كالليل المظلم وقال كل ما شاء وتركوا الشرع خلف ظهورهم ، وليتهم جاؤوا بأحكام عقلية يتفق العقلاء عليها ويتحد قبولهم لها بل كل فريق يدعي على العقل ما يطابق هواه ويوافق ما يذهب إليه ومن هو تابع له فتتناقض عقولهم على حسب ما تناقضت مذاهبهم . يعرف هذا كل منصف ، ومن أنكره فليصف فهمه وعقله عن شوائب التعصب والتمذهب فإنه إن فعل ذلك أسفر الصبح لعينيه . وقد ورد ذكر الوزن والميزان في مواضع من القرآن كقوله وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً [ الأنبياء : 47 ] وقوله فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ [ المؤمنون : 101 - 103 ] وقوله إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ [ النساء : 40 ] وقوله فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ [ القارعة : 6 - 9 ] . والأحاديث في هذا الباب كثيرة جدا مذكورة في كتب السنة المطهرة ، وما في الكتاب والسنة يغني عن غيرهما فلا يلتفت إلى تأويل أحد أو تحريفه مع قول اللّه تعالى ورسوله الصادق المصدوق ، والصباح يغني عن المصباح .